الأئمة المسلمون التأموا في فيينا ووجدوا ملفات متراكمة
وزيرة نمساوية: الإسلام جزء من تراث أوروبا وحاضرها التعددي
ترحيب رسمي كبير بانعقاد مؤتمر الأئمة الأوروبي .. وإشارات ناقدة
الرسوم استدعت التذكير بمستلزمات الحرية .. والسفير الدانمركي حضر
مؤتمر أئمة أوروبا يختتم أعماله بنجاح ويعتمد ميثاق المسلمين في أوروبا
فيينا - حسام شاكر - عندما تتابع هبوط الطائرات الأوروبية على مدارج مطار فيينا يوم الجمعة (7/4)؛ أخذت تخرج تباعاً بالعمائم متنوِّعة الأشكال والألوان، يعتمرها أئمة ومرشدون دينيون مسلمون من أجيال عدة. فالعاصمة النمساوية التي ترأس الاتحاد الأوروبي حالياً، كانت بدءاً من ذلك اليوم على موعد مع انعقاد مؤتمر كبير، حمل في ثناياه الكثير من الإشارات والدلالات.
ففي فيينا، التأم مؤتمر الأئمة والمرشدات الدينيات في أوروبا، وسط اهتمام كبير محلياً وأوروبياً، لتجد الوفود المشاركة ذاتها أمام قضايا وشواغل تتطلب إمعان النظر والبحث عن معالجات معمقة لها.
وقبل افتتاح المؤتمر؛ برهن استقبال الرئيس النمساوي، هاينتز فيشر، لوفود أئمة أوروبا في المقر الرئاسي "هوفبورغ" بفيينا، على ما ينطوي عليه الحدث من أهمية. فهنا يجتمع أولئك الذين يتبوّؤون زمام القيادة الاجتماعية والمحلية في أوساط عشرات الملايين من المسلمين في القارة، من موسكو إلى دبلن، ومن استوكهولم إلى تراقيا الغربية.
وفي كلمته الافتتاحية، لخّص أنس الشقفه، رئيس الهيئة الدينية الإسلامية بالنمسا، مغزى انعقاد هذا المؤتمر، بأنّ "المسلمين يريدون أن يكونوا جزءاً حيوياً ونشطاً من المجتمعات (الأوروبية) التي يعيشون فيها، لا أن يكونوا منعزلين عنها"، وقال "لا ينبغي على الأئمة أن يبحثوا (في مؤتمرهم) شؤون المسلمين فقط، ولكن أيضاً شؤون المجتمعات التي يعيشون فيها".
وعن مجريات أعماله؛ تابع رئيس الهيئة الإسلامية بالنمسا قوله "لن نناقش القضايا الكثيرة للعالم الإسلامي، فضلاً عن أن نفتش عن الحلول لعالمنا المعولم، لكننا يمكن أن نقوم بدور الوساطة" بما يعين على التوصل إلى حلول.
ورغم أنّ الشقفه قد أعاد إلى الأذهان انعقاد مؤتمر أئمة أوروبا في مدينة غراتس النمساوية قبل ثلاثة أعوام، فإنه قال "لا ينبغي أن يكون هذا المؤتمر مجرد تكرار لمؤتمر غراتس". وكان المسؤول المسلم الأول بجمهورية الألب محقاً تماماً، بالنظر إلى أنّ تراكم الواجبات الذاتية على عاتق مسلمي أوروبا لم يعد يسمح بلقاءات لا تتصدى للمعضلات الضاغطة في واقعهم من كل اتجاه.
حشود الأئمة والشخصيات الهامة
أما الحفل الافتتاحي للمؤتمر فقد جاء معبِّراً عن اهتمام عالمي بوقائعه. فعلاوة على حشد الأئمة والشخصيات المسلمة من أنحاء أوروبا، ورؤساء بعض المنظمات الإسلامية البارزة وممثليها؛ حرص عموم السلك الدبلوماسي، العربي والإسلامي والأوروبي والعالمي، الممثل في فيينا على المشاركة في انطلاق الفعالية، وكان من بين هؤلاء السفير الدانمركي في فيينا، الذي أشعلت صحيفة في بلاده حرائق لم تنطفئ بعد.
وقد أربك ذلك الحشد من الشخصيات البارزة وكبار المسؤولين والدبلوماسيين، الذي بدا عصيّاً على الحصر، محاولات الترحيب والتحية من قبل المتحدثين، لكنّ ذلك لم يعكِّر صفو حدث مميّز رأى الجميع، إسلامياً وأوروبياً، أنه لا بدّ وأن ينجح.
وتقدّم الحاضرين المستشار النمساوي فولفغانغ شوسل، ووزيرة خارجيته أورسولا بلاسنيك، ومفوضة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو فالدنر، وعمدة فيينا ميخائيل هويبل، ورئيس البرلمان النمساوي أندرياس كول. ومن المستوى المسلم، جاء في المقدمة رئيس الهيئة الدينية الإسلامية بالنمسا أنس الشقفه، ومدير المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عبد العزيز التويجري، ورئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا أحمد الراوي، والمفكر الألماني المسلم مراد هوفمان، وحشد من الأئمة والشخصيات العامة المسلمة في أوروبا.
المستشار النمساوي يتحدث عن رمزية الدانوب .. ويعبِّر عن الصدمة
بدوره؛ فقد أشار المستشار النمساوي فولفغانغ شوسل، إلى رمزية نهر الدانوب، الذي يخترق أراضي بلاده، والذي يمتد عبر عشر دول قاطعاً ثلاثة آلاف كيلومتر، مارّاً عبر كنائس وأديرة وكُنُس ومساجد، كما قال، مستوحياً من ذلك فكرة الارتكاز إلى قيم مشتركة بين الجميع وأهميتها.
وأشار شوسل إلى أنّ المخاطر التي تحفّ حياتنا اليوم تجعلها "خطراً على الحياة"، وقال "ينبغي أن نسمع من بعضنا بعضاً"، مثيراً بعض التساؤلات من قبيل "كيف نتعامل مع الحداثة ومع التقاليد والدين؟". وقال إنّ الردّ على الحروب ونهم التسلّح هو السلام، والردّ على الفقر، بل الكثير من الفقر؛ هو التنمية والمساعدة الإنمائية.
وجاءت أزمة الرسوم لتكون الموضوع الرئيس الذي تطرّق إليه المستشار النمساوي في كلمته، والتي بدا فيها معبِّراً عن الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي، أكثر من مجرد كونه رئيساً للحكومة النمساوية، أخذاً بعين الاعتبار رئاسته لمجلس قادة الاتحاد خلال النصف الأول من العام الجاري.
وأبدى فولفغانغ شوسل إشارات نقدية عدّة لردود الفعل من جانب المسلمين، وخاصة في العالم الإسلامي، على أزمة الرسوم، ما حدا به لأن يكرِّر لفظة "بصراحة" في معرض الانتقادات التي ساقها. فقد قال "أقولها بصراحة، لقد كنت مصدوماً من أنّ أمراً كهذا (الرسوم) يمكنه أن يفجّر هذا العنف". وبينما تحدث شوسل بالمقابل عن أنّه كثيراً ما يجري عدم احترام لأماكن دينية مسيحية دون أن يثير الأمر ردود فعل تُذكر، فقد حاول تخفيف جرعة الانتقاد كي لا تبدو وكأنها مسدّدة إلى العالم الإسلامي، عندما اعتبر أنّ مواقف كهذه بشأن المسيحية تحدث في النمسا أيضاً. وكان رسام كاريكاتير نمساوي كان قد أصدر من قبل مجموعة رسوم ساخرة عن السيد المسيح عليه السلام أثارت جدلاً إلاّ أنها بدت مقبولة بشكل عام.
وقال شوسل "لقد صدمني الردّ" من جانب المسلمين على الرسوم، معبِّراً عن حنق واضح من ردود فعل المسلمين في سياق الأزمة، وعن عمق صدمته للاحتجاجات العنيفة وحرق بعض الأعلام الأوروبية خلالها. وكان العلم النمساوي ذاته قد أُحرق في طهران قبل شهرين، خلال مظاهرة تنديد بالرسوم المسيئة، وهو ما أثار في حينه انتقادات رسمية وإسلامية في النمسا.
وفي إطار لفته الاهتمام إلى الجوانب التي ينبغي أن يراعيها الأئمة المسلمون في مؤتمرهم؛ خاطب شوسل الوفود بقوله "بصراحة أقول لكم؛ إنّ لدينا مشكلة كبيرة مع الشبيبة الذكور، فالتعليم مهم جداً لهم"، موضحاً في ختام كلمته أنّ خيار الاندماج هو الخيار المتوافق عليه من قبل كافة التيارات الرئيسة في الحياة السياسية الأوروبية.
بلاسنيك: الإسلام جزء من تراث أوروبا وحاضرها التعدّدي
وقد بادرت وزيرة الخارجية النمساوية، أورسولا بلاسنيك، إلى الترحيب بالوفود الإسلامية في النمسا، وأقرّت في كلمتها بأنّ الإسلام ينتمي إلى التراث التاريخي المتنوِّع لأوروبا، وأنه جزء من حاضر أوروبا التعدّدي.
وقالت بلاسنيك التي تقود وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من العام الجاري بحكم الرئاسة النمساوية للاتحاد، "إننا نمدّ كلتي يدينا، نمدّ يداً لشركائنا في العالم الإسلامي، ويداً للجالية الإسلامية في بلدنا". وأعادت بلاسنيك إلى الأذهان، أنّ اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الذي التأم في فيينا في 27 شباط (فبراير) الماضي، كان قد رحّب بانعقاد مؤتمر أئمة أوروبا هذا، وهو المؤتمر الذي وفرت وزارة الخارجية النمساوية وبلدية فيينا نفقاته البالغة 150 ألف يورو.
أما بشأن تفاعلات أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قالت أورسولا بلاسنيك، إنّ الحرية تقتضي المسؤولية، متحدثة عن أهمية التقدير المتبادل، وضرورة الثقة المتبادلة، لافتة الانتباه إلى أنّ "الحياة الحديثة في القرن الحادي والعشرين تداهمنا دون إرشادات للتعامل معها، ولذا فإنّ علينا أن نعزِّز أجواء المسؤولية المتبادلة والاعتدال"، محذِّرة من خطورة تفشي الأحقاد والكراهية والعنف والتشدّد.
وتعليقاً على هذه الكلمة، بادر عمار حريبة، أمين مكتب الدعوة بجمعية الدعوة الإسلامية العالمية (منظمة ليبية)، إلى تقديم التحية إلى "الأخت وزيرة الخارجية" على كلمتها، مشيداً بتعريفها للحرية "من أنها تأتي بضرر إذا ما جاءت بالتعدي على معتقدات الآخرين ودينهم"، كما قال. وناشد حريبة في كلمته بالمؤتمر، المفوضية الأوروبية أن تبادر إلى سنّ قوانين تجرِّم الإساءة إلى الأديان وتكفل حرية العبادة.
ومع ذلك؛ فقد كان واضحاً أنّ كلمات المسؤولين النمساويين جاءت مشوبة بطابع حذِر في ما يتعلّق بأزمة الرسوم الكاريكاتيرية، فبينما أعربوا عن تأكيدهم لضرورة استصحاب المسؤولية مع الحرية؛ فقد تحاشوا توجيه أية انتقادات للموقف الدانمركي أو لصحيفة "يولاندزبوستن" التي فجّرت الأزمة، وهو ما ينسجم مع الموقف الأوروبي الموحّد الذي تمت صياغته خلال الرئاسة النمساوية للاتحاد.
ويقود حزب الشعب المحافظ الحكومة النمساوية، بينما يعزز المحافظون الأوروبيون مواقعهم المفوضية الأوروبية وتمثل كتلتهم (حزب الشعب الأوروبي) الكتلة الأولى في البرلمان الأوروبي، وقد جعل ذلك النبرة المحافظة ملموسة بين سياق كلمات معظم المسؤولين الذين تحدثوا في افتتاح المؤتمر.
هويبل: فيينا نموذج عالمي في التعايش بين أتباع الأديان
أما عمدة فيينا وحاكم مقاطعتها ميخائيل هويبل (ديمقراطي اجتماعي)، فقد رأى أنّ فيينا تمثل نموذجاً عالمياً في التعايش السلمي بين أتباع شتى الأديان، معتبراً أنّ البرهنة على ذلك تحققت في مرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، عندما لم تشهد فيينا احتقاناً أو توتراً يُذكر في العلاقة مع المسلمين، خلافاً لما عرفته عدد من العواصم والمدن الأوروبية الأخرى.
واستعرض عمدة فيينا برامج مدينته ومشروعاتها الرامية لتعزيز الاندماج، معوِّلاً على أهميتها، لكنه استدرك بالقول "إننا واعون تماماً أنّ هناك الكثير مما ينبغي القيام به، وأنّ علينا أن نجتاز طريقاً طويلاً أمامنا".
وفي إشارة ضمنية منه إلى تفاعلات أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للمقام النبوي؛ أكّد ميخائيل هويبل أهمية الحرية كقيمة، لكنه شدّد على ضرورة التعامل مع الحرية بعناية، ولذا فإنه مع الحرية ينبغي استصحاب الاحترام، كما قال.
المفوضية الأوروبية: تفاعلات أزمة الرسوم دليل على سوء التفاهم
وقد تغيّب عن المؤتمر أبرز شخصيتين كان من المفترض حضورهما حفل الافتتاح، وهما رئيس المفوضية الأوروبية خوزيه مانويل باروزو، والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو. إلاّ أنّ باروزو بعث برقية تحية إلى المؤتمر، وألقت كلمة بالنيابة عنه، مفوّضة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي بينيتا فيريرو فالدنر، وهي ذاتها وزيرة الخارجية النمساوية السابقة، والتي كانت أبرز رعاة مؤتمر أئمة أوروبا السابق، الذي التأم في مدينة غراتس النمساوية في حزيران (يونيو) من عام 2003.
وعبّرت فيريرو فالدنر، في الكلمة عن ارتياحها لجعل اللقاء بين الأديان والثقافات إحدى أولويات الرئاسة النمساوية للاتحاد الأوروبي، وقالت إنّ "ما نعيشه ليس هو صدام الحضارات وإنما صدام التجاهلات"، مُعربة عن رفضها لأطروحة صراع الحضارات.
وقالت بينيتا فيريرو فالدنر، في الكلمة التي ألقتها بالنيابة عن رئيس المفوضية الأوروبية، إنّ "أوروبا هي بيت عشرين مليون مسلم"، لكنها رأت أنّ ردود الفعل على الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ضمن أوروبا وخارجها، هي "دليل على سوء التفاهم". وقالت فيريرو فالدنر "إنّ حرية التعبير غير قابلة للمساس"، معدِّدة أهميتها وجدواها حتى بالنسبة للطوائف الدينية، لكنها رأت أنه لا بدّ أن تلازمها المسؤولية.
وحثّت المسؤولة الأوروبية، الأئمة المسلمين في القارّة على أن يعملوا والجميع، ضد التجاهل، وأن يكافحوا ضد الأصولية والتشدّد. كما أشارت مفوضة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي إلى أنها شاركت قبل أيام في اجتماع القمة العربية بالخرطوم، وأنها تحدثت إلى المسؤولين العرب عن ضرورة تعزيز جهود الحوار واللقاء الديني وتطوير التفاهم المشترك.
رسائل ناقدة من رئيس البرلمان النمساوي .. وردود
بدوره؛ فإنّ رئيس البرلمان النمساوي أندرياس كول، وهو كاثوليكي مطبِّق، وكان قد زار مسجداً في المنطقة الخامسة عشرة من فيينا وتابع إقامة الشعائر الإسلامية فيه باهتمام، أكد أنّه "في النمسا لا يوجد أي صراع بين الحضارات، نقطة"، على حد تعبيره.
وأشار كول، في الكلمة التي ألقاها في افتتاح المؤتمر، إلى أهمية الشراكة بين الطوائف الدينية، وهو ما يتجلّى كما يرى في الواقع النمساوي، مؤكداً أهمية انعقاد هذا المؤتمر الذي يجمع الأئمة من كل أنحاء أوروبا.
أما بشأن أزمة الرسوم الدانمركية التي تفاعلت بقوة خلال الشهرين الماضيين؛ فقد أوضح رئيس البرلمان النمساوي أنّ بلاده بقيت بمنأى عن مشكلة الرسوم. كما عدّد أندرياس كول أهمية المكتسبات التي تحقّقت للوجود المسلم في النمسا، كالمقبرة الإسلامية، ووجود المرأة المسلمة المحجبة في مواقع العمل، وبناء المساجد، وإقامة أكاديمية إسلامية في فيينا.
وإزاء ذلك؛ فإنّ المسؤول البرلماني الأول، بعث في سياق كلمته بثلاث رسائل ناقدة. فقد طالب بأن تكون اللغة الألمانية هي اللغة الأساسية لتعليم الإسلام في المدارس العامة النمساوية، مشتكياً من أنّ ذلك لا يتم أحياناً. كما حذّر من أنّ بعض المواد التعليمية الإسلامية المعتمدة في تدريس الإسلام بالنمسا فيها "ميولات إسلاموية"، حسب وصفه، من قبيل أنّ الإسلام ظاهر فوق الأديان الأخرى، وقال "ينبغي التعامل مع ذلك".
في ما تمثلت الرسالة الثالثة في إعرابه عن القلق من رفض متزايد لقطاعات من أولياء أمور التلاميذ المسلمين لإلحاق أبنائهم وبناتهم بالحصة الإسلامية في المدارس العامة، وهو ما سيكون لصالح الخيار البديل، وهو التعليم في المدارس القرآنية الملحقة بالمساجد. وقد أوحى كول ضمناً عبر تلك الأشارة، أنّ المساجد لا تساعد على الاندماج أو حتى أنّها قد تنطوي على تشدّد، حسب ما يتردّد في بعض وسائل الإعلام النمساوية، وإن لم يكن قد صرّح بذلك.
ردّ الهيئة الدينية الإسلامية بالنمسا على انتقادات كول، جاء في مؤتمر صحافي عقدته الأحد (7/4) للإعلان عن مقررات المؤتمر. فقد أكدت كارلا آمنة بغجاتي، المتحدثة الإعلامية باسم الهيئة، الحرص على التمسك بالتعليم باللغة الألمانية خلال الحصة الإسلامية.
أما بشأن الأعداد التي تلغي تسجيلها في الحصة الإسلامية بالمدارس العامة النمساوية، فقد عزت بغجاتي ذلك إلى مشكلات فنية بحتة، بالنظر إلى تركيز تلك الحصص في فترة ما بعد الظهيرة، وغالباً ما يتطلب الأمر انتقال التلميذ المسلم من مدرسته الأصلية إلى مدرسة يتم تجميع الأطفال المسلمين فيها لتلقي تلك الحصة، وهو ما يعني إثقال كاهل أولياء الأمور بمضاعفة المشوار المدرسي. وأوضحت الناطقة أنّ المساعي جارية لحلّ هذه المشكلات الفنية، بما في ذلك بحث إمكانية تحويل الحصة الإسلامية إلى فترة الدوام المدرسي الصباحية.
إلاّ أنّ المتحدثة باسم الهيئة الإسلامية رفضت إشارة رئيس البرلمان النمساوي، أندرياس كول، النقدية لدور المساجد في تعليم الأطفال المسلمين، قائلة إنّ المسجد له دوره وإسهامه الهام في إثراء الحصيلة اللغوية للطفل بلغة ثانية، كما أنه يوفر تعليماً إسلامياً لا تقدمه الحصة الإسلامية، من قبيل تلاوة القرآن الكريم مثلاً، ولذا فلا استغناء عن دور المسجد في هذا الجانب، وفق ما ذكرت.
وقد جاءت انتقادات أندرياس كول لتعيد إلى الأذهان تأثيرات الجدل الساخن الذي عادة ما تشهده ألمانيا المجاورة بشأن دور المساجد والمدارس القرآنية فيها، وهي المدارس التي كثيراً ما تُتهم من قبل أوساط سياسية وإعلامية ومن جانب من يُوصَفون بخبراء الإسلام في ألمانيا، بالانعزال والتشدّد، الأمر الذي ينفيه المسلمون.
التويجري يدعو الأئمة ليكونوا في مستوى المسؤولية
من جانبه؛ أكد عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، على أهمية الرسالة التي يؤديها أئمة المساجد والدعاة في البلدان الأوروبية. وقال في كلمة ألقاها في مؤتمر الأئمة والمرشدات الدينيات في أوروبا، إنّ للمسجد دوراً في التربية والتعليم والدعوة والإرشاد والتوجيه والتبليغ، وفي تنوير الأفكار وتزكية النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة وبالقيم والمبادئ الدينية، وفي تقوية صلة المسلم بمصادر الثقافة الإسلامية وتعزيز انتمائه لأمته وثقافته وحضارتها.
وخاطب المدير العام للإيسيسكو الأئمة والدعاة والمرشدات الذين يعملون في مساجد الجاليات الإسلامية في أوروبا بقوله "إنكم تدركون جيّداً أن هذه الرسالة الإسلامية الحضارية، يتوقف النهوض بها على الوجه المطلوب الذي يؤدّي الغرض ويحقّق الغاية، على التزوّد بالعلم والمعرفة، والتحلّي بالوعي وبالصبر، والاِنفتاح على المحيط، والاِغتراف من مناهل الثقافة المحلية والدراية باللغة الوطنية".
وأوضح التويجري أنّ "العلم الشرعي أولاً، ثم الثقافة العامة ثانياً، ثم الوعي بخصوصيات المحيط المحلي ثالثاً، هي الوسائل التي تساعد الإمام والواعظ والمرشد، أو الواعظة والمرشدة، في أداء هذه الوظيفة الدينية، فإذا عُدمت هذه الوسائل، أو ضعفت، كانت النتائج غير مرضية، ولربما تسبَّب الأمر في فساد كبير، يتمثل في تقديم زاد دينيّ يفتقد مقوّمات الصحة والشمول"، مشيراً إلى أنّ كثيراً من الاِنحرافات والانزلاقات والأخطاء التي تودّي بأصحابها إلى الوقوع في كمائن الشرّ، تأتي من المعرفة الدينية غير الصحيحة أو الناقصة التي يتلقونها، والتي تفسد الفكر والسلوك، كما يفسد الغذاء الرديء الجسم، حسب تعبيره.
وأبرز التويجري أهمية الملتقيات التربوية والعلمية لأئمة المساجد وللدعاة والمرشدين من الجنسين، وقال "إنّ أهمية هذه الملتقيات للمرشدات الدينيات، أعظم منها لأشقائهن المرشدين؛ لأنّ المرأة المسلمة في بلاد المهجر، أحوج ما تكون إلى من يعلمها أمور دينها حتى تكون أماً صالحة، وربّة بيت ناجحة، ومربية تؤدّي دورها على أحسن الوجوه، لتنشئة الأجيال المؤمنة المسلمة المعتزّة بدينها وبلغة القرآن الكريم"، حسب ما ذكر.
ووجَّه المدير العام للإيسيسكو الدعوة لكلّ إمام ولكلّ مرشدة في أوروبا، سواء الحاضرين في المؤتمر أو غيرهم، "ليكون الجميع في مستوى المسؤولية من النواحي كافة؛ لأن المسلمين في حاجة إليهم، وقبل ذلك لأنّ دينهم والعلم الذي يحملونه في صدورهم، يُوجبان عليهم أداء رسالتهم في التنوير، وفي التوجيه، وفي تصحيح المفاهيم، وفي دحض الشبهات وفي الردّ على الحملات المغرضة التي توجّه للإسلام وللمسلمين، بالحكمة وبالتي هي أحسن، وفي إطار القوانين المتبعة في البلدان التي يقيمون فيها".
وخاطبهم بقوله "إنكم الواجهة الأمامية للعمل الثقافي الإسلامي في الغرب، فكونوا سفراء لدينكم ولثقافتكم، وكونوا هداةً متبصرين لأشقائكم ولشقيقاتكم في المساجد والمراكز والجمعيات التي تعملون فيها، تنشرون رسالة التسامح والوسطية والخير، وتتعاونون مع كلّ القوى المحبة للسلام والعدل لبناء الحضارة الإنسانية وصنع المستقبل الواعد".
هوفمان: الجميع يتحدثون عن الاندماج .. ولكن
أما مراد هوفمان، الدبلوماسي الألماني السابق، وأحد أبرز الشخصيات المسلمة في ألمانيا، والمفكر والكاتب الإسلامي الأوروبي؛ فقد بدا ناقداً للحالة الألمانية ولنمط التعامل الرسمي مع المسلمين في الجمهورية الاتحادية في المرحلة الراهنة.
وقال هوفمان إنّ "الجميع (في ألمانيا) يتحدثون عن الاندماج، إذ يريد (وزير الداخلية الألماني فولفغانغ) شويبله أن يعرض الأفلام الإباحية على المسلمين لدمجهم، وفي بافاريا (ولاية واقعة جنوبي ألمانيا) يريدون أن يتوصلوا إلى الاندماج بمساعدة الشرطة".
وخلال مداخلته في المؤتمر عن اندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية؛ ساق المفكر الألماني المسلم شواهد تاريخية، منها ذلك الخلاف الذي نشأ بين فقهاء المالكية والحنفية في الأندلس بعد أن انزاح الوجود الإسلامي عن شبه الجزيرة الأيبيرية. فقد كان رأي الحنفية هو بقاء مسلمين في أسبانيا، وأيّدهم في ذلك الشافعية، بينما رأى المالكية أن يتم الخروج من البلاد.
وفي معرض آخر؛ لاحظ هوفمان الفوارق في العلاقة بين الدولة والدين على المستوى الغربي، كما يتبدى في التباينات الماثلة في هذا الجانب مثلاً بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الاسكندنافية.
وفي السياق؛ حذّر مراد هوفمان من مغبة ذوبان مسلمي أوروبا في مجتمعات الأغلبية وطمس خصوصياتهم.
كما لفت المفكر المسلم الانتباه إلى أنّ هناك ذاكرة جمعية في هذه القارة غير مستعدة للتعرّف على الإسلام والثقافة الإسلامية، منتقداً الصور النمطية والقوالب السلبية التي كثيراً ما يجري ربط المسلمين بها. وقال "لا يتحدث أحد (في أوروبا) عن ستالين الأرثوذكسي أو عن هتلر الكاثوليكي، لكنهم يتحدثون عن صدّام على أنه مسلم".
وأكد هوفمان بالمقابل أنّ غوتهولب إفرايم ليسنغ (الكاتب المسرحي الألماني الشهير الذي عاش في القرن الثامن عشر)، أو يوهان فولفغانغ غوته (الشاعر البارز والكاتب المسرحي الذي عاش في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) "لديهما فهم أكبر للإسلام من السيدة (إنغيلا) ميركيل" مستشارة ألمانيا الحالية.
مسلمون أوروبيون وجزء من مجتمعهم
وقد جاءت أعمال المؤتمر مزيجاً من الأطروحات النظرية والمعالجات العملية، ضمن حدود المساحة الزمنية المتاحة. ففي سياق المداخلات التي شهدتها أعماله؛ توجّه رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، أحمد الراوي، بكلمة إلى الوجود المسلم في أوروبا قال فيها "رسالتي إلى المسلمين والمؤسسات الإسلامية في أوروبا أنهم مسلمون أوروبيون، أنهم جزء من هذا المجتمع، ولا بديل لهم عن ذلك"، شاكراً خلال تقديمه لإحدى الجلسات، النمسا على دعمها لتنظيم هذا المؤتمر.
وبدورها تحدثت الباحثة الاجتماعية المقيمة في النمسا أمينة شاكر، عن احترام الإسلام للأديان والعقائد والتعددية الدينية، طارحة في ورقتها سؤالاً جوهرياً عما إذا كان بالإمكان أن يشارك المسلم في مجتمع غير مسلم، وساقت شواهد من المصادر الإسلامية وأقوال العلماء التي توضح إمكانية ذلك ومداها.
وقد أثار مدير المعهد التربوي الإسلامي بفيينا أمير زيدان في مداخلته، إشكاليات العلاقة بين الإسلام وأوروبا، طارحاً تس